السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي
85
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية
تعرّضت له بادية عنزة ، ومن حولها من الأعراب ، وطلبوا منه زيادة على قواعدهم المقرّرة لهم في الإياب ، فامتنع عن ذلك ، وأوردهم حياض المهالك ، فوقع بينهما حرب وقتال ، وذهب فيه جملة من الخيل والرجال ، ووقف في ذلك اليوم موقفا يشهد بنجابته وأصالته ، وكرّكرّات تعلن بشجاعته وبسالته . فتفرّق بسبب ذلك غالب الحاجّ ، وظلّ في تلك المهامه والفجاج ، ثمّ أسفر طول مكثه عن ذهاب ثلثه ، فقيل : إنّ ما أساء هؤلاء الأعراب معه الأدب ، حتّى صاروا ينسلون إليه من كلّ حدب ، إلّا بإغراء شريف مكّة عليه ، حين حقّقت له الفراسة ، أن ستئول الشرافة إليه . فلمّا خشي من تلك القضيّة ، أراد أن يقبح سيرته عند الدولة العليّة ، ليحول بينه وبين ذلك الأمل ، فأحرز مقصده بذلك العمل ، لأنّه لمّا ورد شامه ، وسمعت السلطنة أخباره وأعلامه ، ساءت سيرته لديهم ، وأهمّوا بإحضاره بين يديهم ، وإنّما لمّا لحظته عين العناية من جدّه ، وأحاطت به سرادق سعادته وجدّه ، ألقى اللّه الشفقة في قلوبهم ، وأحالت القدرة الإلهية بينهم وبين مطلوبهم ، فعزموا على رفعه من منصبه الأسمى « 1 » ، وتوجيهه إلى ديار مصر العظمى ، إكراما لنسبه الشريف ، وإجلالا لمقامه المنيف ، وقرّروا له ما يوازي مخارجه . ثمّ حبسوا بها عليه سبله ومناهجه ، فألقى العصا بمصر مع أخيه ، وهجر مكّة ومن بها من ذويه ، فخالط أعيانها بلطف شمائله ، وشمل ضعفاءها بجزيل برّه ونائله ، فسرى فيهم مسرى الروح في الجسد ، وتمكّن منهم تمكّن البرين من الأسد ، حتّى صار لديهم بيت القصيد ، وواسطة العقد الفريد .
--> ( 1 ) في « ن » : الأعلى .